العيني

91

عمدة القاري

حواء بنت زيد بن السكن أخت أسماء بنت زيد بن السكن . فإن قلت : كان ينبغي أن يكون الإسفار واجباً لمقتضى الأوامر فيه قلت : الأمر إنما يدل على الوجوب إذا كان مطلقاً مجرداً عن القرائن الصارفة إلى غيره ، وهذه الأوامر ليست كذلك فلا تدل إلاَّ على الاستحباب . فإن قلت : قد يؤول الاستحباب في هذه الأحاديث بظهور الفجر ، وقد قال الترمذي : وقال الشافعي وأحمد وإسحاق : معنى الإسفار أن يصبح الفجر ، ولا يشك فيه ، ولم يروا أن الإسفار تأخير الصلاة . قلت : هذا التأويل غير صحيح ، فإن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار ، كما ذكره أهل اللغة ، وقبل ظهور الفجر لا تصح صلاة الصبح ، فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير ، وهو التأخير عن الغلس وزوال الظلمة ، وأيضاً فقوله : ( أعظم للأجر ) يقضي حصول الأجر في الصلاة بالغلس ، فلو كان الإسفار هو وضوح الفجر وظهوره لم يكن في وقت الغلس أجر ، لخروجه عن الوقت ، وأيضاً يبطل تأويلهم ذلك ما رواه ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي في مسانيدهم ، والطبراني في ( معجمه ) من حديث رافع بن خديج ، قال : قال رسول الله لبلال : ( يا بلال نوّر صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار ) . وحديث آخر يبطل تأويلهم رواه الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت السرقسطي في كتابه ( غريب الحديث ) : حدّثنا موسى بن هارون ، حدّثنا محمد بن عبد الأعلى حدّثنا المعتمر سمعت بياناً أخبرنا سعيد ، قال : سمعت أنساً يقول : ( كان رسول الله يصلي الصبح حين يفسح البصر ) . انتهى . يقال : فسح البصر وانفسح إذا رأى الشيء عن بعد ، يعني به إسفار الصبح . فإن قلت : قد قيل : إن الأمر بالإسفار إنما جاء في الليالي المقمرة ، لأن الصبح لا يستبين فيها جداً فأمرهم بزيادة التبين استظهاراً باليقين في الصلاة . قلت : هذا تخصيص بلا مخصص ، وهو باطل ، ويرده أيضاً ما أخرجه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي : ما اجتمع أصحاب محمد على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر ، وأخرجه الطحاوي في ( شرح الآثار ) بسند صحيح ، ثم قال : ولا يصح أن يجتمعوا على خلاف ما كان رسول ا . فإن قلت : قد قال ابن حزم : خبر الأمر بالإسفار صحيح ، إلاَّ أنه لا حجة لكم فيه إذا أضيف إلى الثابت من فعله في التغليس ، حتى إنه لينصرف والنساء لا يعرفن . قلت : الثابت من فعله في التغليس لا يدل على الأفضلية ، لأنه يجوز أن يكون غيره أفضل منه ، وإنما فعل ذلك للتوسعة على أمته ، بخلاف الخبر الذي فيه الأمر ، لأن قوله : ( أعظم للأجر ) أفعل التفضيل ، فيقتضي أجرين : أحدهما أكمل من الآخر ، لأن صيغة : أفعل ، تقتضي المشاركة في الأصل مع رجحان أحد الطرفين ، فحينئذٍ يقتضي هذا الكلام حصول الأجر في الصلاة بالغلس ، ولكن حصوله في الإسفار أعظم وأكمل منه ، فلو كان الإسفار لأجل تقصي طلوع الفجر لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت . فإن قلت : روى أبو داود من حديث ابن مسعود : ( أنه صلى الصبح بغلس ، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات ، لم يعد إلى أن يسفر ) . ورواه ابن حبان أيضاً في ( صحيحه ) ، كلاهما من حديث أسامة بن زيد الليثي . قلت : يرد هذا ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن زيد عن ابن مسعود ، قال : ( ما رأيت رسول ا ، صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع ، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء بجمع ، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها ) . انتهى . قالت العلماء : يعني : وقتها المعتاد في كل يوم ، لا أنه صلاها قبل الفجر ، وإنما غلس بها جداً ، ويوضحه رواية البخاري : ( والفجر حين بزغ ) ، وهذا دليل على أنه كان يسفر بالفجر دائماً ، وقل ما صلاها بغلس ، وبه استدل الشيخ في ( الإمام ) لأصحابنا . على أن أسامة بن زيد قد تكلم فيه ، فقال أحمد : ليس بشيء ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به ، وقال النسائي والدارقطني : ليس بالقوي . فإن قلت : قد قال البيهقي ، رجح الشافعي حديث عائشة بأنه أشبه بكتاب ا تعالى ، لأن ا تعالى ، يقول : * ( حافظوا على الصلوات ) * ( البقرة : 832 ) فإذا دخل الوقت فأولى المصلين بالمحافظة المقدم للصلاة ، وإن رسول الله لا يأمر بأن يصلي صلاة في وقت يصليها هو في غيره ، وهذا أشبه بسنن رسول ا . قلت : المراد من المحافظة هو المداومة على إقامة الصلوات في أوقاتها ، وليس فيها دليل على أن أول الوقت أفضل ، بل الآية دليل لنا . لأن الذي يسفر بالفجر يترقب الإسفار في أول الوقت ، فيكون هو المحافظ المداوم على الصلاة ، ولأنه ربما تقع صلاته في التغليس قبل الفجر ، فلا يكون محافظاً للصلاة في وقتها . فإن قلت : جاء في الحديث :